عين القضاة

مقدمة 49

شكوى الغريب عن الأوطان إلى علماء البلدان

الفصل الرابع والأربعون ( التأمل في المرآة : تتمة ) المرآة تظهر فيها صورة مطابقة للصورة الخارجة من طريق الانطباع . والعقل في أوّل النظر وبادىء الرأي يفرق بين الوجود الخارج وبين الوجود الداخل ؛ فأحدهما مستتبع والآخر تابع ، ولا يتصور أن يشك أحد في ذلك . وحاصل الوجود التابع يرجع إلى نسبة حاصلة على وجه مخصوص بين الصورة الخارجة وبين المرآة ؛ فإذا طالع البصر تلك النسبة الحاصلة بينهما أدرك الصورة الداخلة التابعة ، المعدومة من حيث الحقيقة الموجودة من حيث الظاهر . ولا يشك العقل في أن وجود الصورة الداخلة ليس ذاتيا أعنى ليس موجودا بذاته مستقلا بالوجود ، بل هو موجود بالإضافة إلى أربعة أمور : وهي المرآة والصورة الخارجة والنسبة الحاصلة ومطالعة البصير ؛ لذلك فإذا بطلت هذه النسبة بطل وجود تلك الصورة الداخلة ، وعلم العاقل أن تلك الصورة لم يكن لها استقلال بالوجود . ولو تصوّر وجود المرآة ، أو الماء أو ما يضاهيهما في محاكاة الصور ، بحيث كان يحاكى الصور ولا يتصوّر عليه تغير ، لم يدرك أحد من الخلائق أن تلك الصورة الداخلة ، تابعة في الوجود للصورة الخارجة ؛ وأن هذه خاصية للمرآة والماء ، لا يشاركهما فيه جسم من الأجسام كالطين والجصّ وأمثالهما . ولكن لمّا كانت الصورة الخارجة تتغيّر ، وكانت النسب الحاصلة أيضا تتغيّر ، وعند ذلك تتغيّر الصورة الداخلة حسب تغيّر الصورة الخارجة على منهاج واحد ؛ لم يتخالج للعقلاء ريب في أن الداخلة تابعة لوجود الخارجة وأن الخارجة متقدمة في الوجود على الداخلة تقدّما رتبيا لا زمانيا .